الصفدي
274
الوافي بالوفيات
كان بارعا في الفقه قال الشيخ شهاب الدين أبو شامة حكى لي الفقه عز الدين أبو محمد عبد العزيز بن عبد السلام أنه لم ير أفقه منه وعليه كان ابتداء اشتغاله ثم صحب الشيخ فخر الدين ابن عساكر فسألته عنهما فرجح ابن الحرستاني انتهى قلت وناهيك بمن يثني عليه الشيخ عز الدين بن عبد السلام هذا الثناء وقال إنه كان يحفظ الوسيط للغزالي ولي القضاء نيابة بدمشق أيام شرف الدين بن أبي عصرون ولما أضر شرف الدين بقي هو على نيابته مع ابنه محيي الدين فلما عزل وولي محيي الدين بن الزكي وهو شاب انقطع ابن الحرستاني في بيته إلى أن ولاه العادل قضاء القضاة وأخذ منه مدرستيه العزيزية والتقوية وأعطى التقوية لفخر الدين بن عساكر وأضاف العزيزية إلى القضاء لابن الحرستاني واعتنى به العادل عناية كثيرة إلى الغاية بحيث أنه جهز له ما يفرش تحته في مجلس الحكم لضعفه وكبره وما يستند إليه وكان يجلس للحكم بمدرسة المجاهدية وناب عنه بها ابنه عماد الدين عبد الكريم وكان يجلس بين يديه فإذا قام الشيخ يستند مكانه ثم أنه منعه ذلك لشيء بلغه عنه وناب عنه أيضا أكابر شيوخ القضاة يومئذ شمس الدين ابن الشيرازي وكان يجلس قبالته في إيوان المجاهدية وشمس الدين ابن سيني الدولة وبنيت له دكة في الزاوية القبلية بقرب المدرسة وشرف الدين الموصلي الحنفي بمجلس المحراب بها وبقي في القضاء نحوا من سنتين وسبعة أشهر ولما ) توفي رحمه الله تعالى كانت له جنازة عظيمة حفلة وكان له يوم توفي رحمه الله تعالى خمس وتسعون سنة وفيه قال شهاب الدين فتيان الشاغوري البسيط * يا من تدرع في حمل الحمول ويا * معانق الهم في سر وإعلان * * لا تأنسا روح من نادى لذي مائة * قاضي القضاة الجمال ابن الحرستاني * يعني أنه غريب ولأنه قاضي القضاة من هو في هذا السن على أنه امتنع رحمه الله تعالى من الولاية لما طلب لها فألزمه العادل بها وكان عادلا في ولايته صارما وكان عديم الالتفات إلى شفاعة الأكابر عنده قال سبط ابن الجوزي اتفق أهل دمشق على أنه ما فاته صلاة بجامع دمشق في الجماعة إلا إذا كان مريضا ينزل من الجويرة في سلم طويل فيصلي ويعود إلى داره ومصلاه بيده وكان مقتصدا في ثيابه ومعيشته ولم يدع أحدا من غلمان القضاة يمشي معه وقال إن العادل كتب لبعض خواصه كتابا يوصيه في حكومة بينه وبين آخر فجاء إليه ودفع إليه الكتاب فقال إيش فيه قال وصية بي قال أحضر خصمك فأحضره والكتاب بيده لم يفتحه وادعى على الرجل فظهر الحق لغريمه فقضى عليه ثم فتح الكتاب وقرأه ورمى الكتاب إلى حامله وقال كتاب الله قد قضى وحكم على هذا الكتاب فمضى الرجل إلى العادل وبكى بين يديه وأخبره بما قال فقال العادل صدق كتاب الله أولى من كتابي